تنتصبُ رقعة الشطرنج كشاهدٍ على استنزافٍ فكريٍ مقنن، فهي وإن غلفت العبث بهالةٍ من النظام والمنطق، تظل في جوهرها تبديدًا للزمن في معارك صورية، تُبذل فيها الطاقات الذهنية للوصول إلى هدفٍ غائبٍ في حقيقته.
غير أن ما يجري في المقاهي والطرقات من نقاشاتٍ سياسية يتجاوز هذا العبث ليصبح أكثر ضراوةً وقسوةً على الوقت؛ إذ تتحول هذه النقاشات إلى ساحةٍ تتصادم فيها الانفعالات دون أي ضوابط فكرية. فبينما يكتفي لاعب الشطرنج بصمتٍ مريبٍ يغلف ضياع وقته، يضيف المجادلون في السياسة إلى هدر الزمن صخبًا يمزق الهدوء، واستعداءً يورث الضغينة، ومحاولاتٍ يائسة لفرض سطوةٍ لفظية على قضايا لا يملكون لها حلًا ولا تأثيراً.
إن رقعة الشطرنج وما يحيط بها من صمت، تبدو كواجهةٍ منمقةٍ للضياع، أما صراخ المقاهي والبيوت فهو الضياع في صورته العارية؛ حيث لا تُهدر الساعات فحسب، بل تُستنزف فيها العقول في "معارك" بلا ملوك، وتُشعل فيها حرائق العصبية حول رقعةٍ فارغةٍ لا قيمة لنتائجها. الفارق هنا ليس في جدوى اللعب، بل في حجم الخسارة؛ فالشطرنج ضياعٌ في ثوب الوقار، أما تلك النقاشات فهي تبديدٌ للوقت يرافقه ضجيجٌ يفسد على المرء سكينته ويحيل حياته إلى سلسلةٍ من الصدامات غير المنتجة.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق